|
يُعد حنظلة واحدًا من أشهر الرموز الوطنية الفلسطينية، بل أصبح أيقونة عالمية تجسد معاناة الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقه في العودة والحرية. فعلى الرغم من أن حنظلة ليس شخصية حقيقية، إلا أنه عاش في وجدان الملايين، وأصبح صوته الصامت أبلغ من آلاف الكلمات. ويرتبط اسم حنظلة ارتباطًا وثيقًا بمبدعه، الرسام الفلسطيني ناجي العلي، الذي استطاع بريشته أن يحول طفلًا صغيرًا إلى رمز خالد للقضية الفلسطينية. من هو ناجي العلي؟ولد ناجي العلي عام 1938 في قرية الشجرة في فلسطين، ولم يتجاوز العاشرة من عمره عندما وقعت النكبة الفلسطينية، فاضطر مع عائلته إلى اللجوء إلى مخيم عين الحلوة في لبنان. هناك عاش حياة اللجوء والفقر والحرمان، وكانت تلك التجربة هي الوقود الذي غذّى رسوماته طوال حياته. رسم أكثر من أربعين ألف لوحة كاريكاتيرية، تناول فيها الاحتلال، والظلم، والاستبداد، والتخاذل العربي، حتى أصبح من أشهر رسامي الكاريكاتير في العالم العربي. وفي عام 1987 تعرض لإطلاق نار في لندن، وتوفي متأثرًا بجراحه بعد أكثر من شهر، لكن حنظلة بقي حيًا حتى يومنا هذا. كيف وُلد حنظلة؟ابتكر ناجي العلي شخصية حنظلة عام 1969. قال ناجي العلي عن هذه الشخصية:
واختار له اسم حنظلة نسبة إلى نبات الحنظل الصحراوي المعروف بمرارته، لكنه شديد الصلابة، ينمو في أقسى الظروف، ويقاوم الجفاف دون أن يموت. وهكذا أراد ناجي أن يكون الفلسطيني:
لماذا عمره عشر سنوات؟أوضح ناجي العلي أن عمر حنظلة عشر سنوات لأنه كان في العاشرة عندما خرج من فلسطين سنة 1948. وقال:
ولهذا بقي الطفل بعمر العاشرة طوال العقود الماضية، لأن الوطن لم يعد بعد. فهو يمثل الطفل الفلسطيني الذي توقفت طفولته عند لحظة التهجير. لماذا يدير ظهره؟منذ عام 1973 أصبح حنظلة يرسم وهو يعطي ظهره للمشاهد. وكان ناجي العلي يفسر ذلك بأن:
ولهذا لا يرى أحد ملامحه. لماذا يعقد يديه خلف ظهره؟وضعية اليدين ليست عشوائية. فهي تعني:
وهو شاهد لا يشارك في الظلم ولا يمنحه الشرعية. لماذا هو حافي القدمين؟رسم ناجي العلي حنظلة حافي القدمين وثيابه ممزقة. لأن ذلك يرمز إلى:
ولم يلبسه ملابس فاخرة حتى لا ينتمي إلى طبقة سياسية أو اجتماعية معينة، بل يبقى ابن الشعب. ماذا يمثل حنظلة؟يمثل حنظلة:
ومع مرور الزمن أصبح رمزًا عالميًا لكل الشعوب التي تناضل ضد الاحتلال أو القمع. حنظلة في رسومات ناجي العليلم يكن حنظلة بطل الرسوم، بل كان غالبًا يقف صامتًا يراقب الأحداث. وكان يظهر:
وكأنه شاهد على ما يجري. وجوده كان يعني أن الشعب حاضر ويرى كل شيء. لماذا لم يتغير شكله؟رغم مرور أكثر من نصف قرن بقي حنظلة:
لأن القضية لم تتغير، وما دام الاحتلال واللجوء قائمين، يبقى الرمز ثابتًا. الانتشار العالميتحول حنظلة إلى رمز تتناقله الشعوب. فيمكن رؤيته:
كما أصبح موضوعًا للدراسات الأكاديمية التي تناولت أثر الكاريكاتير السياسي في التعبير عن الهوية والمقاومة. رمزية شعر حنظلةالشعر الشائك المتطاير يشبه أشواك نبات الحنظل. ويرمز إلى:
رمزية الملابسالملابس البسيطة والمرقعة ترمز إلى:
حنظلة بعد استشهاد ناجي العليبعد اغتيال ناجي العلي عام 1987، لم تختفِ الشخصية، بل أصبحت أكثر حضورًا. فقد تبناها الفنانون والرسامون والنشطاء في أنحاء العالم، وأصبحت رمزًا ثقافيًا وسياسيًا يتجاوز حدود فلسطين، مع بقاء ارتباطها الأساسي بقضية الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره. رسالة حنظلةيمكن تلخيص رسالة حنظلة في عدة مبادئ:
خاتمةلم يكن حنظلة مجرد رسم كاريكاتيري، بل تحول إلى ضمير حيّ يختزل تجربة اللجوء والاقتلاع، ويجسد الأمل بالعودة والحرية في الوعي الفلسطيني والعربي. وقد نجح مبدعه ناجي العلي في ابتكار رمز بسيط في شكله، عميق في معناه، حتى صار واحدًا من أكثر الرموز الفنية والسياسية حضورًا في التاريخ الفلسطيني المعاصر. ورغم مرور عقود على ظهوره، لا يزال حنظلة يقف بظهره إلى العالم، ثابتًا على موقفه، في إشارة رمزية فسّرها ناجي العلي بأنها ستبقى حتى يتحقق ما كان يراه نهايةً لحالة اللجوء والاقتلاع التي عاشها الشعب الفلسطيني. ولذلك بقي حنظلة، بالنسبة لكثيرين، رمزًا للصمود والذاكرة والتمسك بالهوية. |
|
|







