جمعية ديوان أهالي البرية

تأسست في العام 2012م

Get Adobe Flash player

آخر الاخبار والنشاطات

شاركنا على فيسبوك

صفحة البريّة الرئيسية

اضغط هنا

صفحة الجروب

اضغط هنا

البحث

عدد زيارات المحنوى : 210318

بقلم م.محمد خميس حمد

القناعات هي جملة الأفكار التي رسخت لدى الفرد أو الجماعة زمناً طويلاً, وهذا الرسوخ أكسبها صفة المعتقدات التي تجاوزت مرحلة النقاش لأنها أصبحت جزءاً من الصح الذي يفترض الفرد أو الجماعة أن الحياة به هي الأنسب، والمحقّــقة للسعادة المنشودة في الحياة الدنيا, وعند البعض الحياتين الدنيا والآخرة.


من المهم أن نذكر أن للقناعة الواحدة عند الجهة الواحدة (الجهة تعني الفرد, أو الفئة, أو الجماعة الكبيرة) درجات أو مستويات عدة ، إذا ما تمت مقارنة ذات القناعة عند أفراد يعتقدون نفس الشيء.
"الربح" يمكن اعتباره قناعة راسخة لدى كم عظيم من الجماعات والأفراد, ويمكن أن نعمم هذه المُفردة على نواح أكثر من مجرد الربح الرقمي وهو الفارق بين سعر البيع وسعر الشراء. فكلمة الربح يمكن أن تشمل الفائدة العائدة على صاحب القناعة وهذه الفائدة معنوية غير ملموسة وقد يتأخر عائدها عن وقت تنفيذها, كأن يكون استثماراً في البناء والاعمار, أو يكون في تعليم وتربية الصغير, أو تشجيع الموهوب, أو فداء أسير, أو إستنقاذ موشكٍ على الموت, أو إغاثة ملهوف, أو حتى إنشاء مؤسسة أو شراكة في زواج, أو فريق كرة.. أو أي شيء من هذا القبيل. سنجد في هذا المثال أن البعض يطلب الربح الأكثر بطريقتين:
• ربح قليل وتكرار كثير.. الأغذية والملابس و...
• ربح كثير وتكرار قليل.. الساعات والأثاث و..
وسنجد نمطين – على الأقل – في مستوى الارتباط الاجتماعي
• فهناك فئة تعتقد أن الربح المتأتي من معرفة أو مصاحبة الأغنياء والأثرياء هو ربح سهل, وهناك فئة أخرى ترى الربح بمصاحبة الفقراء هي الأسهل فيعاملونهم بالربا.
• وهناك من يعتقد أن الاحتفاظ بالمكتسبات المالية (بصرف النظر عن كيفية وأسلوب الاكتساب) وعدم الإسراف في الكرم وإغاثة الملهوف هي الطريقة المناسبة له, فينام ويصحو على مثل هذه القناعة, بينما نجد غير هؤلاء من لديه قناعة راسخة بأن الكرم لا حد له, وهو الخير كله وهو الطريق الأصح لتحقيق الربح المعنوي, الذي يسحب وراءه الربح المادي إذا دعت الحاجة.
سنجد أن الربح عند البعض يتأتى عن طريق العنف وعدم التسامح, وآخرين يظنون كل الظن أن المسالمة هي التي تحقق الربح, والسلم مجلبة للفائدة.
هكذا, نرى أن للقناعة الواحدة مستويات متعددة كثيرة لدى الجهات الإنسانية المختلفة, القناعة في أساسها واحدة هي تحقيق الربح (أو المصلحة أو الفائدة) بينما تفترق إلى عدة مفاهيم ومستويات عند الخوص في التفاصيل.
* * *
تتطور القناعات وتتطور... ثم تصل إلى مرحلة الرسوخ كمعتقد يمثّل الصح, ويبلغ بالفرد أو الفئة، الأمر إلى حد الاقتتال بينهم كدرجة منحطة أو حد الحوار كدرجة سامية. سعداءٌ هم الذين يُبدون الاستعداد لمناقشة قناعاتهم المسيئة, وسعداء هم الذين إذا تلقوا فكرة جديدة تبدو للوهلة الأولى أنها مضادة لقناعة سابقة, رغم أن هذا الاستعداد تحثهم عليهم طبيعة التركيبة الإنسانية المفطورين عليها.
حديثي هذا عن الاستعداد لمناقشة الرواسخ من القناعات لا تتعلق بالمعتقد الديني بحذافيره, وأقصد بالمعتقد الديني الآتي من الله (قد ناقشت – في غير هذا المكان – ضرورة وجود الله, كمطلب فكري وحاجة طبيعية تنبع من الفطرة) غير أن أحداثاً معروفة تجعل الفرد – ومن بعده المجموع – على غير قناعة بما يتم في واقع محدد (قد يتعلق بالناحية الروحية) فيتفكرون ثم يتفكرون حتى يصلوا إلى حد يكون عندها التدخل الإلهي الرباني قد أضحى ضرورة وحتمية, أليس هذا ما حدث لمحمد بن عبد الله بن عبدالمطلب قبل أن يبعث ويرسل فيصبح رسولاً ! بعيداً عن هذا المنحى, سوف نركز على القناعات المتعلقة بالحياة في الدنيا: الاجتماع والاقتصاد, والعلوم والفنون.
يتم تلقين الصغير من البشر بواسطة الوالدين والعائلة والمدرسة قناعات متعددة, منها أصول وفروع الدين, ومنها أصول وفروع الاجتماعيات, والحساب والمحاسبة, ومبدأ الثواب والعقاب, ومبادئ راقية مثل احترام الكبير, وحب الصغير, ومساعدة اليتيم, وعدم نهر السائل, والتسامح, والعفو, و.. إذا ضربك أحدهم على خدك الأيسر فأدر له خدك الأيمن, والصدق منجاة, والكذب حبله قصير, والوفاء بالعهد والموافاة في الموعد, وعدم الغش ومئات المبادئ الأخرى, وتكون القدوة خير وسيلة لترسيخ تلك المبادئ حتى تغدو قناعات, وبين تلك المبادئ مبادئ أخرى قد تصل إلى حد قناعات راسخة لدى الفرد, ولديه أيضاً قدوة أو تطبيق عملي يبرهن له بفائدتها, وتأتي هذه المبادئ / القناعات من المجتمع الأكبر والبيئة التي يكبر فيها الفرد, مثل: خذ حقك بنفسك, إذا أكرمت الكريم ملكته وإذا أكرمت اللئيم تمردا, العقل السليم في الجسم السليم , (ماذا عن بتهوفن, غاندي, هوبكنز. شارلي شابلن, ...), المنتوجات الألمانية هي الأصلح, التهور هو الشجاعة, الكرم هو التبذير, نفسك أولاً, ...
* * *
ثمة رهبانية في النصرانية, ثمة صكوك غفران عند بابا الكنيسة, ثمة سلطة لدى الكنيسة, ثمة خير ومنفعة في الخمر... ثمة قائل الرأسمالية أفضل من الاشتراكية, وثمة من يخالفهم القول والعمل, ثمة قائل أن العري يزيل أو يخفف أثر الغريزة فتقل الجرائم الجنسية, ثمة من يقول القوة مصدرها الإنتاج, ثمة من يقول اللاأخلاق أفضل من الأخلاق, ثمة من يقول الربا أفضل من البيع, ثمة من يقول الناس أعراق يتفاضلون بينهم والآري هو القمة, ثمة من يقول الشوارع المستقيمة أو ذات الاتجاه الواحد أو السريعة هي الأفضل, وآخرون يقولون العكس, ثمة من يقولون أن الحرب والعنف هو الحل الأوحد, وآخرون ينادون بالضد.. ووأد ناس بناتهم صغاراً, وأحرق ناس الزوجات مع زوجها المتوفى, وعبد ناس بقرة أو ناراً أو حتى فرج امرأة أو قضيب رجل, وثمة جهة نادت بمبدأ "لا تضع البيض كله في سلة واحدة" يقابلهم أناس يقولون البداية القوية هي الأفضل, الأكبر هو الأفضل, الأكثر هو الأفضل, فيقوم آخرون يعتمدون قناعة مختلفة فيتصدرون قراراً "القناعة كنز لا يفنى", وثمة من يقول المرأة الجميلة لا يمكن أن تكون ذكية, ثمة من يقول الرجل القصير خبيث والطويل أهبل, وثمة من يقول احفظ قرشك الأبيض ليومك الأسود, فيجيبهم آخرون بالقول اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب...
* * *
القناعات تبدأ بالتلقين, والتماهي مع البيئة المجتمعية, والواقع المعاش, والتطبيقات المشاهدة, والخبرات المتراكمة, والتجربة. وبعد وصول القناعات عند جهة ما إلى مرحلة الرسوخ يصعب تغييرها, لكن لا يستحيل ذلك. مبدأ تغيير القناعة هو وجود الفكرة المخالفة أو المعدلة لقناعة راسخة, قد توجد الفكرة عند الآخر, يعضدها ويساندها تجربة مرت, ورأى وعاش – على الأقل – فرد واحد نتائجها التي استحسنها بنفسه, أو شاركه الاستحسان غيره فيها. العيب الأكبر في ذلك أن لا يقبل الفرد أو الجماعة محض تجربة شيء مختلف ليس بالضرورة ضد أو عكس ما تقدم عليه قناعة راسخة, ولكنه أمر مختلف...
كم من العصور مرت على البشرية بينما هم على قناعة راسخة أن الأرض مركز الكون؟ وجاء وقت تأكد المجموع الأكبر من البشرية أن تلك كانت قناعة فاسدة, وأن الشمس هي مركز الكون وهو الأقرب للصحة... وبين القناعة وتغييرها مرت عذابات كثيرة. مثل ذلك حدث في حكاية دوران الأرض حول ذاتها وحول الشمس..
بنى الإغريق تاريخاً عظيماً في الفلسفة والحياة الدنيا والعلوم, ولديهم قناعة راسخة أن في السماء (أو جبل الأولمب) آلهة كثيرة وآلهات عديدة وأنهم يتزاوجون ويتناكحون ويتقاتلون ويخدعون ويحتالون لأمرهم بكل وسيلة, وما يفعلونه هو القانون.
مرت قرون قليلة تشيع بعض المسلمين وتفرقوا إلى مذاهب ومشارب عديدة ومختلفة, فما الذي بدلهم وغير قناعات راسخة كانت عند آبائهم وجدودهم وأسلافهم, فقد كان الينبوع واحد, وما زال واحداً, فكيف تسنى للخلف أن يختلف؟ فيبدل قناعات تشربها عن الأسلاف؟
جمعٌ كبير من أبناء وبنات الخمسينات والستينات حالياً, بأن زمن الفن الجميل هو زمن عبدالوهاب وفيروز وأم كلثوم وحليم وصباح وشادية وفايزة ونجاة, فهل جرب أحدهم أن يسمع مدحت صالح وأنغام ولطفي بشناق, ونجوى كرم وعزيزة جلال وتامر حسني.. ثم لماذا تسمى حقبة الستينات والسبعينات الزمن الجميل, وما دخل الزمن في ذلك.
أحدهم قد يفقد ثقته بنفسه, أو ثقته بصديق له, أو زميل عمل, فتجده يرد هيهات هيهات أن أعيد التجربة أو حتى يحاول أن يعيد المياه لمجاريها..
عندما كنت في الثامنة أو التاسعة من العمر, وكنت أهوى قيادة الدراجات الهوائية (البسكليتات), حاولت صعود كثيب رمل فوقعت وسقطت الدراجة عليّ, تولدت قناعة يومذاك أني لا أصلح لقيادة الدراجة, وما زالت هذه القناعة راسخة في خاطري وذاكرتي, حتى اليوم وقد بلغت الستين. لماذا لم أحاول مرة أخرى؟ لا مبرر لتصرفي مع نفسي بذلك الحمق, غير أني استفدت من هذه التجربة فعلمت أولادي وبناتي ودفعتهم إلى تكرار العمل الذي فشلوا فيه، مرة أخرى وفي أقرب فرصة ... إذا كان العمل في الأساس من الصالحات أو المباحات المتاحات.
كنت صغيراً على قناعة تامة أن البامية أكلة مكروهة, ولكني جربتها ذات زمن بعيد فتغيرت قناعتي, بينما كرهت القلقاس عند أول لقاء به طعاماً, وما زلت على تلك الكراهية. مقتنع أني أكون في وضع مريح لو ابتعدت عن الاجتماعيات الضاغطة على برنامجي وروتيني اليومي, وهذا الأمر يحتاج مني لمراجعة وتحديث وتعديل القناعة بهذا الشأن.
أعيب جداً على أحدهم عندما يقول لا أعرف ولا علم لي بتشغيل هذا البرنامج أو بفعل هذا الإجراء, ولا أريد أن أبدأ مجدداً ولا أريد خوض التجربة, مثل هذا كائن معي بخصوص الكمبيوتر مثلاً أو السباحة, أو الاستيقاظ مبكراً والانطلاق إلى العمل .. هذا عيب خطير عندي وعند الكثير من أمثالي, وهو مجرد التخوف من خوض تجربة جديدة, وأتذكر أن الحكمة العربية القديمة تقول "من أكثر التفكير في العواقب, لن يفعل شيئاً.
* * *
خلاصة القول, تبنى القناعات بالتعلم من البيئة الإنسانية والتاريخية والجغرافية للمجموعة التي تحيط بالفرد في صغره وشبابه ثم تدعم تلك القناعات القدوة والتطبيقات العملية, والتجربة الذاتية, غير أن الفكر المستقى من الاطلاع على تجارب أخرى سواء بمغادرة البيئة التي ترعرع فيها الفرد بالسفر، طلباً للعلم أو الرزق، تُعد وسيلة من وسائل تغيير القناعات سواء بالإرادة أو بالتأثر, ويتساوى السفر – ربما – مع الاطلاع والمطالعة والقراءة, وخوض تجارب متفردة أو بمشاركة جماعة صغيرة من الأفراد المتشابهين. قد قيل: الفرد بقرناءه, وقيل: صاحب العلماء يحصل لك الخير. وقيل: المستحيل كلمة في قاموس الحمقى, وقيل: إياك وقرناء السوء, وقيل: في السفر خمس فوائد, وقيل: أطلبوا العلم ولو في الصين, وقيل: أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد. وقيل: العبد في التفكير والرب في التدبير, وقيل: التجربة خير برهان, وقيل: لو أردت أن تنقل الماء بالغربال فلن تعدم وسيلة, وقيل: الغاية تبرر الوسيلة (ميكافيلي: مع التحفظ), وقيل: الحاجة تفتق الحيلة, وقيل: إذا وجدت الإرادة وجدت الوسيلة.


الأحد 25/7/2010
الرياض


Copyright © 2011. All Rights Reserved.