جمعية ديوان أهالي البرية

تأسست في العام 2012م

Get Adobe Flash player

آخر الاخبار والنشاطات

شاركنا على فيسبوك

صفحة البريّة الرئيسية

اضغط هنا

صفحة الجروب

اضغط هنا

البحث

عدد زيارات المحنوى : 210299

بقلم م. محمد خميس حمد

هو رجل يجلس – في هذا الوقت – وحيداً في بيته, وعلى وجه التحديد, يجلس في مواجهة التلفزيون المغلق في صالة المعيشة. يجلس إلى الأريكة الكبيرة (ثلاثة راكب - على الأقل), يضع قدميه ممدوتين على طاولة الوسط الخشبية الزجاجية. قدماه عاريتان, والشبشب تحت الطاولة. على يمينه طاولة أخرى عليها منفضة سجاير, وكوب من الشاي نصف مملوء أو أقل من نصفه. الشاي قد برد, لم يعد يرتشف منه. يحب أبو سلامة أن يبقي في الكوب شيئاً من الشاي في الكوب. غسل الكوب ناشفاً ليس سهلاً, يحتاج كلتا اليدين, والكثير من الماء, وربما اسفنجة غسل المواعين الناضحة برغوة بيضاء كثيفة, رغم أن سائل الجلي أخضر, وهذا عند أبي سلامة عجب عجاب.

أبو سلامة يسند ظهره إلى مسند الأريكة الكبيرة, ينظر إلى التلفزيون المغلق. يحرك ذراعه الأيمن فقط بين المنفضة وشفتيه والسيجارة المشتعلة بين السبابة والتي تليها. ما اسم الأصبع التالي للسبابة؟ أظن أنهم يسمونه الوسطى, أو البنصر. ما أهمية ذلك؟ الأهمية كلها تتمثل في شيئين. أن لا يتساقط رماد التبغ على الهدوم أو سجاد الأرضية, وأن تثبت السيجارة بين اصبعين . قد أقفل التلفزيون قبل قليل, ولكنه خلال ساعة زمن سبقت كان قد تجول بين القنوات. هو لم يكن يريد شيئاً محدداً من التلفزيون, ولما لم يجده أقفله. لا, إنما أراد أن يتناول الشاي ظهر هذا اليوم, أي بعد ساعة من صحوه , مشاهداً لأشياء خفيفة على القلب, مفرحة تفيد العقل والقلب معاً, وتغذي الخيال .. ربما. وماذا يريد رجل ذو ستين عاماً أكثر من ذلك, من التلفزيون؟ يكفيه أن لديه الصحة التي تؤهل نفسه للمشاهدة, والقدرة التي تؤهل جسده للحركة, والرغبة التي تدفعه للبحث عن شيء من المتعة النظرية. مر بالكثير من قنوات البث العاملة وغير العاملة على النايل سات (قمر النيل الصناعي). من ذلك العدد الكثير, الكثير من القنوات التي لا تعمل لسبب أو لآخر. صاحبها أو أصحابها شروا رخصة البث وتركوها من غير بث, أو ربما لم يصل بثها لجهاز تلفزيون أبي سلامة.

لكن تلك القنوات, بالتأكيد, غير مشفرة, ولا هي ذات رقم سري للفتح والإغلاق لإخفائها عن أعين الصغار والكبار. لكل معاييره في هذه القنوات, مشاهدة أو تفاعلاً. يتطرف بعض الرجال في هذا الشأن فلا يقتنون جهاز تلفزيون ولا جهاز استقبال. البعض أقل تطرفاً من الفئة الأولى لأنهم لا يقتنون جهاز استقبال لاقط, أبو سلامة ليس من تلكما الفئتين, لديه الجهازان, التلفزيون واللاقط, بل ولديه إمكانية مشاهدة قنوات النيل سات, وعرب سات, وأقمار أخرى. وهذا ما صرح به لأحد أصدقائه. مر هذا بخاطر أبي سلامة, كما مر هو بالقنوات التي شاهد نتفاً من بثها عندما كان يشرب الشاي ويدخن السيجارة وبيده اليسرى الريموت.

طائرة ضخمة, تحمل ما يكاد يقال عنه مشفى متحركاً لعلاج العيون, والعيون فقط, يحمل أجهزة متقدمة وأطباء نذروا قسماً من حياتهم لخدمة أناس لا يصلون لمثل تلك الخدمة العلاجية, وهي لا تصلهم. ويقوم الأطباء القادمون جواً بتدريب ثلة من أطباء محليين, ويوقعون الكشف على عيون من تم تحضيرهم لهذا الكشف والعلاج. ما شاهده أبو سلامة كان لرحلة تلك الطائرة إلى كمبوديا .. ربما, لاوس .. ربما, التبت .. ربما ..! لم يعد يذكر أبو سلامة أين حطت الطائرة, أسرع إلى تغيير المحطة لما رأى الأطفال المصابين بأمراض في عيونهم, أبو سلامة لا يحب ذلك ، ليس لديه أدنى فكرة عن إمكانية الاستفادة من مثل هذه المشاهد. أبو سلامة الذي ليس له ولد يحمل هذا الاسم, بطبيعته لا يحب المرض ولا اعوجاج الطبيعة وخروج أجهزة الجسم عن أداء وظائفها. طبعاً هو يربط ذلك بالمشيئة الإلهية, والحكمة الربانية. لكنه – في الوقت ذاته – غير مدرك لتلك الحكمة, ولا يرى وجهها السماوي إنْ ثمت. ويقول لنفسه ما معنى أن يعطي الإنسان جسداً مستوعباً لروحه, ثم يعتور ذلك الجسد, جزئياً أو كلياً بعطب أو علة تخرجه عن وظيفته المرسومة؟ مَن وما المقصود بكل ألم مصاحبٍ لهذه العلة أو تلك؟

غير أن أبا سلامة, لم ينكر شعوره بالتعاطف مع الفكرة العامة لهذه الطائرة غير العادية, التي تحمل "الأمل لتعطيه لمن عندهم الألم". لم يغفل عن المعنى الإنساني السامي الظاهر في تجول تلك الطائرة على نفقة أصحاب المشروع من أغنياء أمريكا وأوروبا على أصقاع من آسيا وإفريقيا أقل حظاً – ربما معدومة الحظ – في الاستفادة من تقدم العلم. وتساءل أبو سلامة أمام نفسه, ترى ألا يمكن لأغنياء العرب أن يفكروا بمثل هذا المستوى الرفيع من الخدمات المقدمة لفقرائهم! وجد نفسه يقول: إن ما ينفقه أغنياء العرب على ملذات ومنكرات يساوي مساهمة نفيسة في مشروع كهذا. ووجد نفسه يقول لنفسه: يا سيدي بلاش طيارة DC10 كالتي شاهدتها لخمس دقائق. فلتكن خمس باصات كبيرة, فأراضي العرب متصلة, وأيضاً أراضي الإسلام متصلة.

 

شاب وسيم, قدّر أبو سلامة أن عمره لا يتجاوز ثلاثة وثلاثين عاماً, حسن الهندام. يتكلم واقفاً خلف طاولة بلورية, لا يرتدي ربطة عنق. مبتسم. وكان وحيداً في غرفة البث أو التسجيل, كما هو أبو سلامة وحيد في صالة المعيشة ببيته – "توقف" قالها أبو سلامة لذاته. لا يمكن أن يكون الشاب وحيداً, يلزم وبالضرورة أن يتواجد حوله الكثير من الناس, لكنهم لا يظهرون في الصورة. لعل من أولئك الناس صبايا لم تتزوج بعد, ولعل منهم كهول لم يتقاعدوا بعد. ما علينا نحن. الشاب يقول, سنعرض لكم مباراة في كرة القدم ليست ككل مباراة شاهدتموها, فهذه المباراة ممنوع – منعاً باتاً – أن يركض (أي يجري) اللاعب وراء الكرة, مسموح المشي فقط لا هرولة ولا تباطؤ. مشي عادي. سير طبيعي. شاهد أبو سلامة ذلك الشريط. المباراة بديعة حقاً مبتكرة. هادئة. حتى الجمهور المشاهد بديع هو الآخر, وهادئ. وكان ثمة ثلاثة أهداف في المرميين. اللاعبون الاثنان وعشرون متفاوتوا الأعمار بين العشرين والثمانين. يا الله! فكرة رائعة. الكرة يتم قذفها مسافات طويلة, غير أن لا احد يجري ليلحقها, بل يمشي الأقرب إليها حتى يلقاها بقدمه .. ويسددها إلى المرمى, فيمشي الحارس ليصدها أو يمسكها. مهلا! قد افهم أن المشي مناسب للختيارية, فأي قوة تتحكم في أعصاب الشباب كي لا يركضوا وراء الكرة؟ سؤال وجيه!

 

نقل أبو سلامة إلى قناة أخرى. عشرون, لعلها ثلاثون بعيراً تتسابق على مضمار ترابي في دولة قطر. ومعلق فذلكي متفذلك يقول هذه رياضة الأجداد. لم ير أبو سلامة على أسنمة البعران أحداً من البشر. كل بعير مكتوب على إنحنائة عنقه بالبويا السوداء المرشوشة رقــــــــــم. البعير الأول – عندما بدأ أبو سلامة، مشاهدة هذه القناة – كان يحمل الرقم 24, يتلوه البعير ذو الرقم 23, ولكن انتهى سباق الأربعة آلاف متر بوصول البعير رقم 29, ثم البعير رقم 2, ثم صاحب الرقم 15.

أي أجداد يتحدث عنهم المعلّق؟ تساءل أبو سلامة في نفسه، ومَن غير نفسه يسأل! وحيد أبو سلامة في صالة المعيشة ببيته. وهذا التلفزيون الذي تمتلئ شاشته بأخفاف الجمال حيناً, وحيناً بالأعناق والرؤوس, وحيناً بالأسنمة المغطاة المربوطة المشدودة على البعران. ثم شيء يقف منتصباً وراء سنام كل بعير, ما هو؟ لا يدري أبو سلامة, ولم يدرِ حتى اللحظة. لكن أبو سلامة وبعض الظن أثم, وبعضه حدس وفكر وربما بصيرة، يقول أبو سلامة أن هذا الشيء الملفوف بالأقمشة هو جهاز ما يعمل بالإشارة اللاسلكية يتم التحكم فيه من بعيد, فيصدر إشارات يفهمها البعير, فيسرع في المرحلة الأخيرة .. ربّما. فإذا كان ذلك كذلك, قال أبو سلامة, فأين الآن من زمان؟ وأين الأحفاد من الأجداد؟ أين عرب أو أعراب عاشوا في الجزيرة في القرنين السادس والسابع من عرب أو مستعربين يعيشون في بحر النفط في القرنين العشرين والواحد وعشرين؟ إنما هو المال الوفير والخير الكثير. اللهم لا حسد. ونقل أبو سلامة عن هذا المشهد إلى مشهد آخر في قناة أخرى.

 

ليس لدى هذه الشاشة كلام يقال, ولكن كلاماً يُقرأ:

-         شخص يبحث عن بيت في طبربور أو النزهة للاستئجار بمبلغ 200 دينار.

-         الطريق إلى العقبة فيه مشاكل.

-         حادث مروري في الطريق إلى إربد.

-         إسرائيل الشريك الصامت للأسد.

-         النسور: البرلمانيون سيدخلون تحت القبة قبل نهاية الشهر.

يقول أبو سلامة لنفسه: بلا غم بلا هم. ويضغط أزرار الريموت.

قاعة فسيحة أرضيتها من البلور المضيء بألوان شتى. عمود في المنتصف. حشوات ملونات مرصوصات بالجنبات. سبع صبايا يرقصن في الفسحة .. توقف أبو سلامة وشاهد وسمع.

ما يسمعه من موسيقى وكلام, بالتأكيد هو عربي, لكنه لا يفهمه. ما يراه أبو سلامة من حركات راقصة بالتأكيد هو عراقي النمط, يستحليه ولكن – أيضاً – لا يفهمه. ثم أبو سلامة لا يفهم هذا التباين في ملابسهن. ولا هذا التباعد في شعور رؤوسهن, ولا هذا التظاهر بحليهن من الذهب, الذي لا بد أن يكون غير حقيقي. فإحداهن ترتدي على معصميها وعضديها وجيدها ونحرها وأذنيها وأنفها ورأسها, ما – لو كان ذهباً صحيحاً – لتزوجت قارون أو لاشترت قناة فضائية أو افتتحت شركة للاتصالات!! بينما الأخرى اكتفت ببلوزة يقف طرفها السفلي عاجزاً عن الوصول إلى سرتها, وثالثة شعر رأسها أسود ناعم (أو منعم) يوشك أن يغطي عجيزتها, بينما إحداهن لا يتجاوز شعرها عنقها.

"إقلب" ... قال لنفسه.

 

شيخ من مشايخ هذا الزمان, يجلس إلى منضدة. كتفاه ظاهران وصدره, وأزرار جلبابه الأبيض مغلقة. وثمة غطاء رأس أبيض ينسدل على الجانبين, مغطياً رأسه التي قد تكون صلعاء, لحيته سوداء كثيفة ومنتشرة. شاربه محفوف. سيماه مقبولة. حاجباه ثقيلان غير متصلين. يتكلم عن الحج في الإسلام. أليس غريباً أن يكون ذلك في جمادى الأولى, أي قبل موسم الحج بستة أشهر (على الأقل)؟ الشيخ مصري اللهجة. يلفظ جيم الحج بتعطيشها على اللسان الصحيح, لسان المشارقة وأهل الجزيرة والعراق والشام. جيم الحج فقط من دون كل الـ "جيمات" التي تأتي على لسانه, كأن الشيخ – عفا الله عنه – يظن أنه لا يصح التحدث في أمور الشرع الإسلامي بالجيم المصرية!!

 

استأذن أبو سلامة – في ضميره – حضرة الشيخ المكرم, وضغط زراً في الريموت, فذهب الشيخ, وبقي أبو سلامة يستند بظهره إلى الأريكة, وبقي في كوب الشاي نصفه. وصل أبو سلامة بنظره إلى شاشة للأفلام العربية, فوجد فاصلاً إعلانياً دام عشرة دقائق أو نحوها. الانتظار يمدد الزمن. أبو سلامة بانتظار معرفة أي الأفلام العربية يعرض الآن. تحمّل الدعايات على مضض. قام يتمشى في صالة المعيشة الواسعة. لم يلبس الشبشب. ثم تذكر أن ملامسة الأقدام للموكيت يضر الأقدام فيشقق جلدها الخارجي, ولكن أيضاً المشي بالشبشب الثقيل على الموكيت يضر الموكيت ويهريه سريعاً. ما العمل؟ ليدخل الحمام. خمسة شراشف للسرير بـ 99 جنيهاً, والتوصيل مجاناً. زيت الشعر هذا يجعل الشعر طويلاً ناعماً سالكاً. هذه الحبة تجعلك رجلاً وبدون آثار جانبية. هذا الدهون يجعلك – يا سيدتي –  أكثر بياضاً. شركتنا تقدم لك البطاطا المقرمشة حارة وباردة, خاصة عندما تجوع بالليل. هذه هي بعض أحداث الحلقة القادمة (المئة وعشرون من المسلسل التركي), انتظرها يوم الثلاثاء الساعة كذا وكذا بتوقيت مكة المكرمة.

يا إلهي!

على اتساع السعودية بين شرقها على الخليج وغربها على البحر الأحمر, إلا أن ساعتها لا تتغير باختلاف خطوط الطول, ولذلك فتوقيت الدمام هو توقيت جدة. فلماذا تحشر مكة المكرمة – بكل قدسيتها – في موعد بث الحلقة المئة وعشرون من مسلسل مدبلج؟ وهو التوقيت نفسه مع عمان ودمشق, وهو متأخر ساعة عن توقيت دبي, ومتقدم ساعة عن توقيت القاهرة.

الدقائق تمر. خرج أبو سلامة من الحمام منذ دقيقتين. الدعايات تتواصل. هذا الفتى الملاكم, لم يكن ليفوز على خصمه إلا لأنه يستعمل مادتنا لإزالة قشرة رأسه. أبو سلامة يعرف تماماً أن الصابونة النابلسية لا تبقي للقشرة أثراً ولا تذر لها وجوداً.

جلس أبو سلامة في مجلسه المذكور, مقدراً أنه على أنه على وشك معرفة أي الأفلام يبث الآن على هذه القناة. الدعايات تتواصل. صبي وصبية يتناولان علبتين من الشراب الغازي. فيطيران في الهواء فتتلقفهما أيدي وأذرع جمهور غفير من الصبيان والصبايا.

أوشك صبر أبي سلامة على النفاذ. حمل الريموت. هم بضغط الزر ليتقدم إلى قناة أخرى. لكنه لم يفعل. أدهشه الإكس فاكتور. أراد بعمق وشدة أن يدرك ما هو هذا العنصر المجهول. صبية تغني. ثلاثة ذكور يتقافزون. تتدلى من أعناقهم سلاسل فضية تحمل معلقات لا يدري ما هي.

صبية أخرى. ممتلئة صحة وجمالاً وابتساماً, تصدح. شاب فرد يصرخ بموال. صوت يقول: صوّت لمن تحب. أنت صاحب القرار الأخير فيمن يفوز.

أخيراً. ظهرت إشارة على الشاشة يستفاد منها أن "برنامج" الدعايات قد انتهت حلقته على أمل اللقاء بكم في حلقة قادمة!! وبدأت مشاهد الفيلم.

ياه .. يا للخسارة "زفر أبو سلامة, يقول لضميره, لن أتابع هذا الفيلم. لقد شاهدته 17 مرة سابقاً.

وينتقل أبو سلامة إلى قناة أخرى. متحسراً على إضاعة ... وجد شاشة سوداء كتب عليها "لا توجد إشارة".

 

أغلق التلفزيون. مد رجليه على طاولة الوسط الخشبية الزجاجية. وطفق يتذكر .. يفكر.

الزوجة في زيارة. وجد إفطاره جاهزاً. شرب الشاي. بلع حبة إسبرين بروتكت كي يتفادى الجلطة. يا رب ارزقني عفواً وعافية. يا رب متعني بقواي أبداً ما أحييتني. يا رب أعوذ بك من المحن والفتن والمرض والألم. يا رب أعوذ بك من مرض لا ألم له, أعوذ بك يا رب من ألم لا مرض له.

تذكر رواية "القوقعة" لمصطفى خليفة. وقال: هناك ألم بلا مرض! هو الألم المصاحب للتعذيب, والألم الذي يسبق التعذيب, والألم الذي يعقبه. ليس كل الآلام سيئة. ثمة ألم يدفعك لطلب العلاج.

آنفا، استحم أبو سلامة, وغير ملابسه. يعلم أنه لن يغادر البيت هذا اليوم. وحلق أبو سلامة لحيته ورش على نفسه رذاذاً من الافترشيف ومن البارفيوم. يعلم أن الزوجة ستعود في الثالثة عصراً. هذا ما تم الاتفاق عليه. هو يحب أن يرى زوجته بطلة بهية في ملابس مناسبة ورائحة زكية. فليفعل إذن ما يحب أن يلمسه من زوجته, لتلمسه زوجته فتسر. أبو سلامة يستغرب من بعض الرجال, ومن كل النساء (ما عدا زوجته بالطبع) كيف يتركون أنفسهم داخل البيت بلا هندمة في الملبس والمظهر والرائحة و .. التصرفات.

بعض الناس – رجالاً كانوا أو نساء – يحيون داخل البيت بطريقة مغايرة, ربما على النقيض, من طريقة حياتهم خارج البيت. ففي الخارج. أمام الغرباء, يظهرون أفضل ما لديهم من سلوكيات وكلام ومعاملة. داخل البيت لا يهتمون بذلك. متخذين من بعض الأحكام والمقولات سنداً. "خذوا زينتكم عند كل مسجد" الرجل في بيته صبي. جوا البيت سخام وبرا البيت رخام .. الخ. يعتقد أبو سلامة أن رسمة "الخ" لا داعي لها, وهي مجرد حشو كلام. أبو سلامة لا يعرف غير ما جاء من أقوال وأمثال, مع العلم أن العبارة الأولى "خذوا زينتكم عند كل مسجد" هي عبارة قرآنية واجبة الاحترام, وينبغي فهمها. المسجد المذكور في العبارة ليس هو – فقط – جامع الحي, بل هو كل بقعة يمكنك أن تسجد فيها, ويمكن القول أنها تعني كل بقعة أو كل وقت, وهو الأمر الذي حث الإسلام عليه المسلمين كي يكونوا في الزين من الثياب (المظهر) ومن الثواب (المخبر) عندما ينوون الوقوف أمام الله ليصلوا ويكبروا ويسبحوا ويحمدوا الله على ما أعطاهم ووهبهم من .. الحياة وشرف التكليف.

نظر أبو سلامة إلى السقف. يعلم أن السقف مساو للأرضية في المساحة. يعرف أن صالة المعيشة ليس مجرد غرفة, بل قاعة أو صالة ليس فقط لأنها ثمانية أمتار طولاً, وأربعة عرضاً, بل لأنها أيضاً تتعدد فيها الأبواب.

الأبواب

الأبواب

يصلح هذا – قال في ضميره – كي يكون عنواناً لرواية. هذه الأبواب هي – في آن واحد – مداخل إلى ومخارج من .. المعيشة. ولادة, تربية, مدرسة, عيادة, مستشفى, سفر, عمل, زواج, طعام, شراب, هواء, ماء, مرض, صحة, حب, كره, فرح, ترح, سيارة, طائرة, كواكب, أرض, .. قبر, برزخ, بعث, "لكني لا اعرف كيف أكتب رواية" قالها أبو سلامة في سره.

سمع صوت إدارة المفتاح في قفل الباب .. "السلام عليكم", قالت الزوجة.


Copyright © 2011. All Rights Reserved.